فخر الدين الرازي
346
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
لقد أحسن اللّه فيما مضى * كذلك يحسن فيما بقي والجواب : عن السؤال الثاني من وجوه أحدها : لعله خص هذه الأمة بزيادة شرف لأنه لا يقال في صفات العبد غفار ، ويقال : تواب إذا كان آتيا بالتوبة ، فيقول تعالى : كنت لي سميا من أول الأمر أنت مؤمن ، وأنا مؤمن ، وإن كان المعنى مختلفا فتب حتى تصير سميا لي آخر الأمر ، فأنت تواب ، وأنا تواب ، ثم إن التواب في حق اللّه ، هو أن تعالى يقبل التوبة كثيرا فنبه على أنه يجب على العبد أن يكون إتيانه بالتوبة كثيرا وثانيها : إنما قيل : توابا لأن القائل قد يقول : أستغفر اللّه وليس بتائب ، ومنه قوله : « المستغفر بلسانه المصر بقلبه كالمستهزئ بربه » إن قيل : فقد يقول : أتوب وليس بتائب ، قلنا : فإذا يكون كاذبا ، لأن التوبة اسم للرجوع والندم ، بخلاف الاستغفار فإنه لا يكون كاذبا فيه ، فصار تقدير الكلام ، واستغفره بالتوبة ، وفيه تنبيه على أن خواتيم الأعمال يجب أن تكون بالتوبة والاستغفار ، وكذا خواتيم الأعمال ، وروي أنه لم يجلس مجلسا إلا ختمه بالاستغفار والجواب : عن السؤال الثالث أنه تعالى راعى العدل فذكر اسم الذات مرتين وذكر اسم الفعل مرتين أحدهما : الرب والثاني : التواب ، ولما كانت التربية تحصل أولا والتوابية آخرا ، لا جرم ذكر اسم الرب أولا واسم التواب آخرا . المسألة التاسعة : الصحابة اتفقوا على أن هذه السورة دلت على أنه نعي لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم روي أن العباس عرف ذلك وبكى فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : ما يبكيك فقال : نعيت إليك نفسك فقال : الأمر كما تقول ، وقيل : إن ابن عباس هو الذي قال ذلك فقال عليه الصلاة والسلام : « لقد أوتي هذا الغلام علما كثيرا » روي أن عمر كان يعظم ابن عباس ويقربه ويأذن له مع أهل بدر ، فقال عبد الرحمن : أتأذن لهذا الفتى معنا ، وفي أبنائنا من هو مثله ؟ فقال : لأنه ممن قد علمتم قال ابن عباس : فأذن لهم ذات يوم وأذن لي معهم فسألهم عن قول اللّه : إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وكأنه ما سألهم إلا من أجلي فقال بعضهم : أمر اللّه نبيه إذا فتح أن يستغفره ويتوب إليه ، فقلت : ليس كذلك ولكن نعيت إليه نفسه فقال عمر : ما أعلم منها إلا مثل ما تعلم ، ثم قال : كيف تلومونني عليه بعد ما ترون ، وروي أنه لما نزلت هذه السورة خطب وقال : « إن عبدا خيره اللّه بين الدنيا وبين لقائه والآخرة فاختار لقاء اللّه » فقال السائل : وكيف دلت هذه السورة على هذا المعنى ؟ الجواب : من وجوه أحدها : قال بعضهم : إنما عرفوا ذلك لما روينا أن الرسول خطب عقيب السورة وذكر التخيير وثانيها : أنه لما ذكر حصول النصر والفتح ودخول الناس في الدين أفواجا دل ذلك على حصول الكمال والتمام ، وذلك يعقبه الزوال كما قيل : إذا تم شيء دنا نقصه * توقع زوالا إذا قيل تم وثالثها : أنه أمره بالتسبيح والحمد والاستغفار مطلقا واشتغاله به يمنعه عن الاشتغال بأمر الأمة فكان هذا كالتنبيه على أن أمر التبليغ قد تم وكمل ، وذلك يوجب الموت لأنه لو بقي بعد ذلك لكان كالمعزول عن الرسالة وأنه غير جائز ورابعها : قوله : وَاسْتَغْفِرْهُ تنبيه على قرب الأجل كأنه يقول قرب الوقت ودنا الرحيل فتأهب للأمر ، ونبهه به على أن سبيل العاقل إذا قرب أجله أن يستكثر من التوبة وخامسها : كأنه قيل له : كان منتهى مطلوبك في الدنيا هذا الذي وجدته ، وهو النصر والفتح والاستيلاء ، واللّه تعالى وعدك بقوله : وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى [ الضحى : 4 ] فلما وجدت أقصى مرادك في الدنيا فانتقل إلى الآخرة لتفوز بتلك السعادات العالية .